فصل: الحديث الرَّابِع عشر إِلَى الثَّامِن عشر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.كتاب السّير:

كتاب السّير:
وَفِيه ثَلَاثَة أَبْوَاب:
الأول: فِي وُجُوبه.
وَثَانِيها: فِي كيفيته.
وَثَالِثهَا: فِي تَركه بالأمان.

.الْبَاب الأول: فِي وجوب الْجِهَاد:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ اثْنَيْنِ وَعشْرين حَدِيثا:

.أَحدهَا:

أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا الله...» الحَدِيث.
وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي كتاب الدِّيات وَكتاب الرِّدَّة.

.الحديث الثَّانِي:

«أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ: أَي الْأَعْمَال أفضل؟ فَقَالَ: الصَّلَاة لوَقْتهَا. قيل: ثمَّ أَي؟ قَالَ: بر الْوَالِدين.، قيل: ثمَّ أَي؟ قَالَ: الْجِهَاد فِي سَبِيل الله».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، وَقد سلف فِي أثْنَاء التَّيَمُّم وَاضحا.

.الحديث الثَّالِث:

عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لغدوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لغدوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سهل بن سعد، وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.

.الحديث الرَّابِع:

قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْمُقدمَة الَّتِي افْتتح بهَا هَذَا الْكتاب: وَلما هَاجر النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَدِينَة وَجَبت الْهِجْرَة إِلَيْهَا عَلَى من قدر قَالَ تَعَالَى: {إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة} إِلَى قَوْله {والولدان} فَلَمَّا فتحت مَكَّة ارْتَفَعت الْهِجْرَة مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة، وَعَلَى ذَلِك جَرَى حَدِيث «لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح» وَبَقِي وجوب الْهِجْرَة عَن دَار الْكفْر فِي الْجُمْلَة انْتَهَى.
أما الحَدِيث الصَّحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك بِزِيَادَة «وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة، وَإِذا استنفرتم فانفروا» وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كَمَا عزاهُ إِلَيْهِمَا الْحميدِي فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ فِي قسم الْمُتَّفق عَلَيْهِ، وَأما عبد الْحق فَقَالَ: لم يخرج البُخَارِيّ عَن عَائِشَة فِي هَذَا شَيْئا، وَأخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة، وَأخرجه الْخَطِيب فِي تلخيصه من حَدِيث غزيَّة بن الْحَارِث مَرْفُوعا «لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح، إِنَّمَا هُوَ الْحَشْر وَالنِّيَّة وَالْجهَاد».
وَإِنَّمَا التَّأْوِيل الذي أبداه فَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد: لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح كَامِلَة الْفضل كَالَّتِي قبل الْفَتْح، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى تَأْوِيل الحَدِيث تَوْفِيقًا بَينه وَبَين حَدِيث عبد الله بن السَّعْدِيّ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ: «لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْكفَّار».
أخرجه الْبَغَوِيّ وَابْن السكن وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي صَحِيحه، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام: بَعْدَمَا أخرجه: وَفِي إِسْنَاده اخْتِلَاف.

.الحديث الخَامِس:

قَالَ الرَّافِعِيّ: وَذكروا فِي خلال هَذِه الْمُقدمَة «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يعبد صنمًا قطّ» وَورد عَنهُ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «مَا كفر بِاللَّه نَبِي قطّ» انْتَهَى.
وَمَعْنَاهُ صَحِيح بِالْإِجْمَاع.

.الحديث السَّادِس:

أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: «من جهز غازيًا فقد غزا، وَمن خلف غازيًا فِي أَهله وَمَاله فقد غزا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَّا أَنَّهُمَا لم يذكرَا «وَمَاله» وَهِي غَرِيبَة فِي هَذَا الحَدِيث وَلكنهَا ثَابِتَة فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الثَّابِت فِي صَحِيح مُسلم «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث إِلَى بني لحيان ليخرج من كل رجلَيْنِ رجل، ثمَّ قَالَ للقاعد: أَيّكُم خلَف الْخَارِج فِي أَهله وَمَاله بِخَير؛ كَانَ لَهُ مثل نصف أجر الْخَارِج».
تَنْبِيه: وَقع فِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم أَن حَدِيث زيد أخرجه مُسلم وَحده وَأَن حَدِيث أبي سعيد لم يخرجَاهُ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ فقد أخرجَا جَمِيعًا حَدِيث زيد، وَأخرج مُسلم حَدِيث أبي سعيد.

.الحديث السَّابِع:

«أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم غزا بَدْرًا فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وأُحُدًا فِي الثَّالِثَة، وَذَات الرّقاع فِي الرَّابِعَة، وغزوة الخَنْدَق فِي الْخَامِسَة، وغزوة بني النَّضِير فِي السَّادِسَة، وَفتح خَيْبَر فِي السَّابِعَة، وَفتح مَكَّة فِي الثَّامِنَة، وغزوة تَبُوك فِي التَّاسِعَة».
هَذِه الْغَزَوَات ثَابِتَة مَشْهُورَة من أَرْبَاب الْمَغَازِي شهرة تغني عَن سرد الْأَحَادِيث فِيهَا، وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة فَلَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا مرية، وَكَانَت فِي رَمَضَان قطعا لسبع عشر خلت مِنْهُ وَكَانَت يَوْم الْجُمُعَة عَلَى الْمَشْهُور، وَرَوَى ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه فِي بَاب مولد النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف أَنَّهَا كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ، قَالَ: وَالْمَحْفُوظ أَنَّهَا كَانَت يَوْم الْجُمُعَة، وَوَقع فِي الْمَاوَرْدِيّ أَنَّهَا يَوْم السبت ثَانِي عشر من رَمَضَان، وَوَقع فِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة أَنَّهَا يَوْم السبت سَابِع عشر فَالله أعلم، وَكَأَنَّهُ يَوْم الْخُرُوج وتاريخ الْوَقْعَة، فَإِن الْخُرُوج يَوْم السبت فِي الثَّانِي عشر وَقيل: فِي الثَّالِث والوقعة سَابِع عشر.
فَائِدَة: بدر مَاء مَعْرُوف وقرية عامرة عَلَى نَحْو أَربع مراحل من الْمَدِينَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي مغازيه: وَهِي بِئْر لرجل يُدعَى بدر فسميت باسمه، قَالَ: وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان: كَانَ بدر رجل من بني غفار فنسب المَاء إِلَيْهِ. قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير: هَذَا هذيان وَالزبير أوثق مِنْهُ، وَقد قَالَ: بدر بن مخلد بن الْحَارِث صَارَت بدر الَّذِي سميت بِهِ وَهُوَ احتفرها. وَقَالَ الْحَازِمِي فِي المؤتلف والمختلف: وَقيل: بل هُوَ رجل من بني ضَمرَة سكن هَذَا الْموضع فنسب إِلَيْهِ ثمَّ غلب اسْمه عَلَيْهِ. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ: وتذكر وتؤنث.
فَائِدَة أُخْرَى: ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْبَراء «أَن عدد أهل بدر ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر»، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن عمر أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ: وَالْمَشْهُور أَنهم ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر، ثمَّ ذكره بِإِسْنَاد، وَعَن الْبَراء قَالَ: «كُنَّا نتحدث أَن أَصْحَاب بدر كَانُوا بِعَدَد أَصْحَاب طالوت ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر»، قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى سَبْعَة عشر، قَالَ: وَكَانُوا ذكرُوا مَا ذكرُوا عَلَى سَبِيل التَّقْرِيب. قَالَ: هَذِه عدَّة الْمُؤمنِينَ، وَأما الْمُشْركُونَ فَفِي الْخَبَر أَنهم كَانُوا ألفا فَرد الْأَخْنَس ثَلَاثمِائَة من بني زهرَة وَبَقِي سَبْعمِائة قَالَه مقَاتل.
وَالثَّانِي: أَنهم كَانُوا دون الْألف وَفَوق السبعمائة فَلَعَلَّ بَعضهم عد الْمُقَاتلَة وَبَعْضهمْ عد الْجَمِيع.
وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة أحد فِي الثَّالِثَة فَلَا شكّ فِيهِ أَيْضا وَلَا مرية، وَكَانَت يَوْم السبت سَابِع شَوَّال كَذَا قَالَه ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه، وَابْن دحْيَة فِي تنويره، والنووى فِي روضته، وَقَالَ فِي تهذيبه: لإحدى عشرَة خلت مِنْهُ عَلَى رَأس اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ شهرا من الْهِجْرَة وَقَالَ ابْن الطلاع: كَذَا ذكره ابْن الْمفضل وَقَالَ غَيره: لثلاث خلت من شَوَّال.
فَائِدَة:
أحد- بِضَم الْهمزَة والحاء- جبل بِجنب الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة عَلَى ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى نَحْو ميلين مِنْهُ كَانَت هَذِه الْوَقْعَة الْعُظْمَى قتل فِيهَا خَمْسَة وَسَبْعُونَ من الْمُسلمين، وَفِي الصَّحِيح «هَذَا جبل يحبنا ونحبه».
وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة ذَات الرّقاع فِي الرَّابِع فَهُوَ مَا جزم بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلقيحه، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان: أَنَّهَا كَانَت بعد بني النَّضِير فِي صدر السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة، وَبِه جزم شَيخنَا فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي سيرته الصُّغْرَى، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه: هَذَا قَوْله وَالأَصَح أَنَّهَا فِي سنة خمس، وَجزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ، وَهُوَ فِي الرَّوْضَة قَالَ: وَهِي فِي أول الْمحرم.
فَائِدَة: فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك خلاف، سلف فِي صَلَاة الْخَوْف الْخلاف فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك ونقلنا هُنَاكَ عَن البُخَارِيّ أَنه ذكر أَنَّهَا بعد خَيْبَر.
وَأما مَا ذكره من كَون غزَاة الخَنْدَق فِي الْخَامِسَة هُوَ مَا جزم بِهِ أَيْضا ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلقيحه، وَابْن دحْيَة فِي تنويره وَالأَصَح أَنَّهَا فِي الرَّابِعَة فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي أول بَاب غَزْوَة الخَنْدَق قَالَ: قَالَ مُوسَى بن عقبَة كَانَت غَزْوَة الخَنْدَق فِي سنة أَربع. وَقَالَ أَبُو عبيد فِي الْأَمْوَال: كَانَت بعد أحد بِسنتَيْنِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ذكر جمَاعَة أَنَّهَا فِي الْخَامِسَة، وَالأَصَح أَنَّهَا فِي الرَّابِعَة، وَقَالَ فِي تهذيبه: أَنه الصَّحِيح فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «عرضت عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة فَلم يجزني، وَعرضت عَلَيْهِ يَوْم الخَنْدَق، وَأَنا ابْن خمس عشرَة فأجازني» قَالَ: وَقد اجْمَعُوا أَن أحدا فِي الثَّالِثَة.
فَائِدَة: كَانَت فِي ذِي الْقعدَة، وَقيل: فِي شَوَّال حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي كِتَابيه، وَكَانَت مُدَّة حصارهم خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ أرسل الله عَلَى الْكفَّار ريحًا وجنودًا لم يرهَا الْمُسلمُونَ فَهَزَمَهُمْ بهَا، وَالْخَنْدَق هُوَ خَنْدَق الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة حفره عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه لما تحزبت عَلَيْهِم الْأَحْزَاب.
وَأما غزَاة بني النَّضِير فِي السَّادِسَة فَغَرِيب جدا وَإِن كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ سبقه إِلَى ذَلِك فِي نهايته وَنَقله فِي كِفَايَته وَأقرهُ عَلَيْهِ فَفِي البُخَارِيّ أَنَّهَا كَانَت بعد بدر بِسنة وَشهر قَالَه عُرْوَة، قَالَ ابْن شهَاب: فِي الْمحرم سنة ثَلَاث، وَقَالَ غَيره: سنة أَربع خرج إِلَيْهِم رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَشِيَّة الْجُمُعَة لتسْع مضين من ربيع الأول، وحوصروا ثَلَاث وَعشْرين يَوْمًا وَجزم بِهَذَا الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهَا فِي ربيع الأول سنة أَربع، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَالنَّوَوِيّ فِي روضته وتهذيبه: أَنه سنة ثَلَاث.
قلت: نعم غَزْوَة بني المصطلق كَانَت سنة سِتّ عَلَى الْأَصَح، وَمِمَّنْ صَححهُ ابْن دحْيَة فِي تنويره، وَقيل: سنة خمس قَالَ الدمياطي: وَهُوَ الصَّحِيح.
فَائِدَة: النَّضِير بضاد مُعْجمَة غير مشالة بِخِلَاف قُرَيْظَة فَإِنَّهَا بِظَاء مشالة وهما جَمِيعًا من يهود خَيْبَر، وينسبان إِلَى هَارُون عَلَيْهِ السَّلَام، وَالنضْر هُوَ الذَّهَب، وَكَذَلِكَ النضار بِضَم النُّون.
وَأما كَون فتح خَيْبَر فِي السَّابِعَة فَهُوَ الْمَعْرُوف وَبِه جزم ابْن دحْيَة فِي تنويره حَيْثُ قَالَ: خرج إِلَيْهَا فِي صفر سنة سبع؛ لِأَنَّهُ قدم من الْحُدَيْبِيَة عشرَة آلَاف مقَاتل، وَنقل ابْن الطلاع عَن ابْن هِشَام أَنه قَالَ: إِنَّهَا كَانَت فِي صفر سنة سِتّ وَهُوَ غَرِيب، وَجزم فِي الْكِفَايَة هُنَا بِالْأولِ، وَخَالف فِي زَكَاة الثِّيَاب فاعلمه، وَذكر هُنَا أَنه خرج مَعَه من حضر عمْرَة الْحُدَيْبِيَة من الأجناد، وَخَالف فِي كتاب الْحَج.
فَائِدَة: أَقَامَ عَلَيْهِ السَّلَام عَن حِصَار خَيْبَر بضع عشرَة لَيْلَة قَالَ الْحَازِمِي: وخيبر نَاحيَة مَشْهُورَة، وَبَينهَا، وَبَين الْمَدِينَة مسيرَة أَيَّام، وَهِي تشْتَمل عَلَى حصون ومزارع، ونخل كثير قَالَ: وَيُقَال: لأراضي خَيْبَر الخبائر.
وَأما كَون فتح مَكَّة فِي سنة ثَمَان فَهُوَ كَذَلِك وَكَذَا كَون غَزْوَة تَبُوك فِي التَّاسِعَة، وَكَانَ فِي رَجَب وَوَقع فِي الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة بَرَاءَة أَنَّهَا فِي الْعَاشِرَة، وَهُوَ عَجِيب، قَالَ الْحَازِمِي فِي مؤتلفه: وتبوك بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ وَاو ثمَّ كَاف، قَرْيَة بِنَاحِيَة الشَّام بَينهَا وَبَين وَادي الْقرى مراحل انْتَهَى إِلَيْهَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ غَزْوَة الرّوم.

.الحديث الثَّامِن:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أنكر عَلَى معَاذ التَّأْوِيل».
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي أَوَاخِر كتاب صَلَاة الْجَمَاعَة فِي أثْنَاء بَاب الْمَوَاقِيت فَرَاجعه من ثمَّ.

.الحديث التَّاسِع:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث...» الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي أثْنَاء بَاب الْمَوَاقِيت فَرَاجعه من ثمَّ.

.الحديث العَاشِر:

عَن ابْن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رد يَوْم بدر نَفرا من أَصْحَابنَا استصغرهم».
هَذَا الحَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه لَا يحضرني من خرجه من هَذَا الطَّرِيق، وَالَّذِي يحضرني مَا أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء قَالَ: «استصغرت أَنا، وَابْن عمر يَوْم بدر» وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عَامر بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: «عرض رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جَيْشًا فَرد عُمَيْر بن أبي وَقاص فَبَكَى عُمَيْر فَأَجَازَهُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعقد عَلَيْهِ حمائل سَيْفه» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِي تَصْحِيحه لَهُ نظر، فَإِن فِي إِسْنَاده يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ، وَهُوَ واهٍ، وَأخرج أَيْضا فِي مَنَاقِب سعد بن خَيْثَمَة من مُسْتَدْركه «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام استصغره هُوَ، وَزيد بن جَارِيَة» ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: فِيهِ نَكَارَة كَيفَ يستصغر من هُوَ نقيب، وَرَوَى الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة بِإِسْنَادِهِ «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام استصغر مُصعب ابْن عُمَيْر، ورده فَبَكَى فَأَجَازَهُ فَكَانَ سعد يَقُول: كنت أعقد لَهُ حمال سيف من صغره، وَقتل ببدر وَهُوَ ابْن سِتَّة عشر سنة» وَرَوَى الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث زيد بن جَارِيَة أَن رَسُول الله استصغر نَاسا يَوْم أحد مِنْهُم زيد بن جَارِيَة- يَعْنِي نَفسه- والبراء بن عَازِب، وَزيد بن أَرقم، وَسعد، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَعبد الله بن عمر، وَجَابِر بن عبد الله قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.

.الحديث الحَادِي عشر:

«أَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما سَأَلت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل عَلَى النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: نعم جِهَاد لَا قتال فِيهِ: الْحَج وَالْعمْرَة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور بِإِسْنَاد صَحِيح قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: وَإسْنَاد ابْن مَاجَه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِسْنَاده حسن، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: من مُحَمَّد بن فضل رَاوِيه إِلَى عَائِشَة كلهم من رجال الصَّحِيح، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور لَكِن لَفظه: «قلت: يَا رَسُول الله عَلَى النِّسَاء جِهَاد؟ قَالَ: لَا عَلَيْهِنَّ جِهَاد فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة»، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عمرَان بن حطَّان عَن عَائِشَة «يَا رَسُول الله هَل عَلَى النِّسَاء جِهَاد؟...» الحَدِيث، وَهَذِه الطَّرِيق معلولة بِأَن عمرَان لم يسمع من عَائِشَة كَمَا قَالَه صَاحب الاستذكار، وبعمران نَفسه قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علل الصَّحِيحَيْنِ: أخرج البُخَارِيّ حَدِيث عمرَان بن حطَّان عَن ابْن عمر، عَن عمر فِي لبس الْحَرِير، وَعمْرَان مَتْرُوك لسوء اعْتِقَاده، وخبث رَأْيه.
ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَنه وَقع فِي رِوَايَة الرَّافِعِيّ لهَذَا الحَدِيث «جِهَاد لَا شوك فِيهِ» بدل «لَا قتال فِيهِ- قَالَ: وَهُوَ السِّلَاح» وَهَذِه اللَّفْظَة غَرِيبَة من حَدِيث عَائِشَة نعم هِيَ مَوْجُودَة فِي حديثين آخَرين أَحدهمَا: عَن الْحُسَيْن بن عَلّي قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي جبان، وَإِنِّي ضَعِيف فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى جِهَاد لَا شوك فِيهِ». أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَإِسْنَاده جيد وَمُعَاوِيَة بن إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيهِ وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَأَبُو حَاتِم، وَخَالف أَبُو زرْعَة فَقَالَ: شيخ واهٍ.
الثَّانِي: عَن عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن جدته أم أَبِيه قَالَت: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فَقَالَ: أدلك عَلَى جِهَاد لَا شوك فِيهِ، قَالَ: بلَى، قَالَ: حج الْبَيْت». فِي إِسْنَاده الْوَلِيد بن أبي ثَوْر، ضعفه النَّسَائِيّ وَغَيره، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «اسْتَأْذَنت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجِهَاد فَقَالَ: جهادكن الْحَج» وَفِيه أَيْضا قلت: «يَا رَسُول الله نرَى الْجِهَاد أفضل الْعَمَل أَفلا نجاهد؟ قَالَ: لكنَّ أفضل الْجِهَاد حج مبرور» وَفِي صَحِيح ابْن حبَان عَنْهَا «يَا رَسُول الله أَلا نخرج ونجاهد مَعَك فَإِنِّي لَا أرَى عملا فِي الْقُرْآن أفضل من الْجِهَاد؟ قَالَ: أَلا إِن لكنَّ أحسن الْجِهَاد حج الْبَيْت حج مبرور». وَفِي سنَن النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «جِهَاد الْكَبِير وَالصَّغِير والضعيف، وَالْمَرْأَة الْحَج وَالْعمْرَة».

.الحديث الثَّانِي عشر:

رُوِيَ «أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُبَايع الْأَحْرَار عَلَى الْإِسْلَام وَالْجهَاد، وَالْعَبِيد عَلَى الْإِسْلَام دون الْجِهَاد».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح لَا يحضرني من خرجه من هَذَا الْوَجْه، وَذكره ابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَته من حَدِيث جَابر مطولا وَلم يعزه لأحد، وَهَذَا سياقته عَن جَابر «أَن عبدا قدم عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَايعهُ عَلَى الْجِهَاد وَالسَّلَام فَقدم صَاحبه فَأخْبرهُ أَنه مَمْلُوك فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بعبدين، فَكَانَ بعد ذَلِك إِذا أَتَاهُ من لَا يعرفهُ ليبايعه سَأَلَهُ أحر هُوَ أم عبد، فَإِن قَالَ: حر بَايعه عَلَى الْإِسْلَام، وَالْجهَاد، وَإِن قَالَ: مَمْلُوك بَايعه عَلَى الْإِسْلَام دون الْجِهَاد» ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة- والرَّافِعِيّ: ذكره دَلِيلا عَلَى عدم وُجُوبه عَلَى الرَّقِيق- مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَاد حسن عَن الْحَارِث بن عبد الله بن أَبَى ربيعَة «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي بعض مغازيه فَمر بأناس من مزينة فَاتبعهُ عبد لامْرَأَة مِنْهُم فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق سلم عَلَيْهِ قَالَ: فلَان؟ قَالَ: نعم، قَالَ: مَا شَأْنك؟ قَالَ: أجاهد مَعَك، قَالَ: أَذِنت لَك سيدتك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِع إِلَيْهَا فَإِن مثلك مثل عبد لَا يُصَلِّي إِن مت قبل أَن ترجع إِلَيْهَا فاقرأ عَلَيْهَا السَّلَام فَرجع إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا الْخَبَر قَالَت: آللَّهُ هُوَ أَمرك أَن تقْرَأ عَلّي السَّلَام؟ قَالَ: نعم، قَالَت: ارْجع فَجَاهد مَعَه» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله قَالَ: «جَاءَ عبد فَبَايع النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى الْهِجْرَة وَلم يشْعر أَنه عبد، فجَاء سَيّده يُريدهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: بعنيه فَاشْتَرَاهُ بعبدين أسودين، ثمَّ لم يُبَايع أحدا بعد حَتَّى يسْأَله أعبد هُوَ؟».

.الحديث الثَّالِث عشر:

عَن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فاستأذنه فِي الْجِهَاد فَقَالَ: أَحَي والداك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ففيهما فَجَاهد».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَقد سلف. فِي بَاب الْإِحْصَار والفوات وَاضحا. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «أَن رجلا جَاءَ فاستأذنه فِي الْجِهَاد، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أجاهد مَعَك. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَلَك أَبَوَانِ؟ قَالَ: نعم. قَالَ كَيفَ تركتهما؟ قَالَ: تركتهما وهما يَبْكِيَانِ. فَقَالَ: ارْجع إِلَيْهِمَا وأضحكهما كَمَا أبكيتهما».
قلت: هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة، رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة أَيْضا. وَقد سلفت فِي الْموضع الْمشَار إِلَيْهِ أَولا وَاضحا.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهَذَا فِي الْأَبَوَيْنِ الْمُسلمين. أما إِذا كَانَ الأبوان أَو الْحَيّ مِنْهُمَا مُشْركًا، فَلَا يحْتَاج فِي الْخُرُوج إِلَى إِذْنه للتُّهمَةِ الظَّاهِرَة بالميل إِلَى أهل الدَّين، وَكَانَ عبد الله بن أبي بن سلول يَغْزُو مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعْلُوم أَن أَبَاهُ كَانَ يكره ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ يخذل الْأَجَانِب ويمنعهم عَن الْجِهَاد وَهُوَ كَمَا قَالَ.

.الحديث الرَّابِع عشر إِلَى الثَّامِن عشر:

قَالَ الرَّافِعِيّ: وَردت أَخْبَار كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي السَّلام وإفشائه. هُوَ كَمَا قَالَ فلنذكر من ذَلِك خَمْسَة أَحَادِيث: أَحدهَا: عَن عبد الله بن عَمْرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: تطعم الطَّعَام، وتقرأ السَّلَام عَلَى من عرفت وَعَلَى من لم تعرف» أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
ثَانِيهمَا: عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «خلق الله عَزَّ وَجَلَّ آدم عَلَى صورته سِتُّونَ ذِرَاعا، فَلَمَّا خلقه قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسلم عَلَى أُولَئِكَ النَّفر- وهم نفر من الْمَلَائِكَة جُلُوس- فاسمع مَا يحيونك فَإِنَّهَا تحيتك وتحية ذريتك قَالَ: فَذهب فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم فَقَالُوا: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، فزادوه وَرَحْمَة الله» أَخْرجَاهُ أَيْضا.
ثَالِثهَا: عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسبع ونهانا عَن سبع وعدَّ مِنْهَا إفشَاء السَّلَام» أَخْرجَاهُ أَيْضا.
رَابِعهَا: عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا، وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا، أَولا أدلكم عَلَى شَيْء إِذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السَّلَام بَيْنكُم» أخرجه مُسلم.
خَامِسهَا: عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «اعبدوا الرَّحْمَن، وأفشوا السَّلَام، وأطعموا الطَّعَام تدخلون الْجنَّة» أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه، وَأخرجه الدَّارمِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم بأسانيد حَسَنَة من رِوَايَة ابْن سَلام رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «يَا أَيهَا النَّاس أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام، وصلوا الْأَرْحَام، وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام، تدخلون الْجنَّة بِسَلام» أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَأخرجه الدَّارمِيّ وَالتِّرْمِذِيّ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث صَحِيح، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب كَثِيرَة لَا يسعنا أَن نذكرها هُنَا لكثرتها وانتشارها وَهَذَا الْعدَد كافٍ فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ.

.الحديث التَّاسِع عشر:

ورد فِي الْخَبَر «النَّهْي عَن السَّلَام عَلَى قَاضِي الْحَاجة».
هُوَ كَمَا قَالَ وَقد مر حَدِيث جَابر وَابْن عمر، أما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيثه «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مر عَلَيْهِ رجل وَهُوَ يَبُول فسلَّم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا رَأَيْتنِي عَلَى مثل هَذِه الْحَالة فَلَا تسلم عليَّ؛ فَإنَّك إِن فعلت لم أرد عَلَيْك».
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا أعلم رَوَاهُ غير هَاشم بن الْبَرِيد، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، عَن جَابر.
وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الشَّافِعِي، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد. قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن رجلا مر عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَبُول فَسلم عَلَيْهِ الرجل فَرد عَلَيْهِ السَّلَام فَلَمَّا جاوزه ناداه النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنَّمَا حَملَنِي عَلَى الرَّد عَلَيْك خشيَة أَن تذْهب فَتَقول: إِنِّي سلمت عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يرد عليَّ، قَالَ: فَإِذا رَأَيْتنِي عَلَى هَذِه الْحَالة فَلَا تسلم عليَّ فَإنَّك إِن تفعل فَإِنِّي لَا أرد عَلَيْك» وَأخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث سعيد بن سَلمَة، ثَنَا أَبُو بكر رجل من ولد عبد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَعَ اخْتِلَاف فِي بعض اللَّفْظ وَنقص يسير.
قَالَ عبد الْحق: وَأَبُو بكر هَذَا فِيمَا أعلم هُوَ ابْن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر، رَوَى عَنهُ مَالك وَغَيره، وَهُوَ لَا بَأْس بِهِ، وَلَكِن حَدِيث مُسلم أصح؛ لِأَنَّهُ من حَدِيث الضَّحَّاك بن عُثْمَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن رجلا سلم عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يَبُول فَلم يرد عَلَيْهِ» وَالضَّحَّاك أوثق من أبي بكر، أَو لَعَلَّه كَانَ ذَلِك فِي موطنين.
وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي ذكر فِي أبي بكر هَذَا يَنْبَغِي أَن يتَوَقَّف فِيهِ فَإِن الرجل الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد لم نعلم فِيهِ أَكثر من أَنه ولد عبد الله بن عمر، فَمن أَيْن لَهُ أَنه أَبُو بكر بن عمر بن عبد الرَّحْمَن الَّذِي رَوَى عَنهُ مَالك، وَقد كَانَ مانعه من ذَلِك لَو ثَبت أَن الَّذِي فِي الْإِسْنَاد، يروي عَن نَافِع، وَالَّذِي توهمه أَنه هُوَ مَعْلُوم الرِّوَايَة عَن ابْن عمر، ويروي عَنهُ مَالك وَغَيره، وَإِلَى هَذَا فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور إِنَّمَا يرويهِ عَن أبي بكر الْمَذْكُور سعيد بن سَلمَة وَهُوَ ابْن أبي الحسام أَبُو عمر مولَى عمر بن الْخطاب وَهُوَ قد أخرج لَهُ مُسلم، وَإِن كَانَ ابْن معِين سُئِلَ عَنهُ فَلم يعرفهُ وَإِنَّمَا نُرِيد حَاله، وَإِلَّا فقد عرف حَالَة عينه وَنسبه بِالْوَلَاءِ وَرِوَايَة من رَوَى عَنهُ وَعَمن رَوَى قَالَ صَاحب الإِمام: أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق قد تثبت فِي ذَلِك بقوله أَبُو بكر فِيمَا أعلم، وَلم يجْزم بذلك، وَقد وَقع مَا دلّ عَلَى صِحَة ظَنّه؛ فَإِن هَذَا الحَدِيث قد أخرجه ابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى. وَقَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء، ثَنَا سعيد- يَعْنِي ابْن سَلمَة- عَن أبي بكر- هُوَ ابْن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب- عَن نَافِع، عَن عبد الله بن عمر «أَن رجلا مر برَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يهريق المَاء فَسلم عَلَيْهِ الرجل فَرد عَلَيْهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتنِي هَكَذَا فَلَا تسلم عليَّ فَإنَّك إِن تفعل لَا أرد عَلَيْك السَّلَام».
فَهَذِهِ الرِّوَايَة وَقع فِيهَا نسب أبي بكر هَذَا كَمَا ظن عبد الْحق، وَأَقْوَى من هَذَا رِوَايَة الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق السراج، ثَنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْحَنْظَلِي، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء، ثَنَا سعيد بن سَلمَة، حَدثنِي أَبُو بكر بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب بِسَنَدِهِ وَفِيه ثمَّ قَالَ: «إِنَّه لم يحملني عَلَى السَّلَام عَلَيْك إِلَّا أَنِّي خشيت أَن تَقول: سلمت عليَّ فَلم ترد عليَّ السَّلَام».
قلت: وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة أَيْضا.
فَائِدَة: فِي شرح الْآثَار للطحاوي حَدِيث الْمَنْع من رد السَّلَام مَنْسُوخ بِآيَة الْوضُوء وَقيل بِحَدِيث عَائِشَة: «كَانَ يذكر الله عَلَى كل أحيانه» وَزعم الْحسن أَنه لَيْسَ مَنْسُوخا وَتمسك بِمُقْتَضَاهُ.